عطور.. و ضوع يحكي تاريخ شبه الجزيرة العربية.

22 أكتوبر 2023
ياسمين

كان تاريخ شبه الجزيرة العربية حافلًا بعبق استخدام وصناعة العطور منذ الأزل، فعلاقة العرب بالعطور بدأت منذ أن كان جَنُوب الجزيرة العربية جنة للأزهار والنباتات العطرية على اختلاف أنواعها وكان يطلق عليها أرض البَخُور.

وعلى الرغم من أن أقدم عطور عرفها التاريخ لم تكن صياغة عربية إلا أن العرب هم أصحاب الفضل الأول في تطوير تلك الصناعة وإثراء جوانبها بالطرق والأساليب المبتكرة حتى يومنا هذا.

فقد عشقوا أنواع العطور فارتبطت بهم، وأضافوا لصناعتها الكثير وهو ما أخذه الغرب عنهم ليصبح نواة لصناعة العطور الغربية على ضخامة حجمها الآن، فهي تدين بكل الفضل للعطارين العرب كمان كان يطلق عليهم آنذاك.


كيف بدأت صناعة العطور؟

ارتبط الإنسان منذ بداية رحلته على هذه الأرض بحواسه ارتباطًا وثيقًا، لذا فقد كانت بداية معرفته بالعطر من خلال عطور النباتات والبخور الطبيعي.

وتعتبر بلاد الرافدين وحضارة وادي النيل هي أقدم الشعوب التي بدأت في العناية بصناعة العطور، فمَا بين عطور تستخدم للزينة وأخرى لتقديم القرابين وأداء الطقوس الدينية والجنائزية، أبدعت هذه الحضارات في صناعة أنواع العطور التي تناسب استخدامها، ونشأت مهنة معروفة وهي مهنة صناعة العطور يقوم بها العطارين، وأقدم عطار معروف في التاريخ كانت كاهنة في بلاد الرافدين تدعى تبوتى، عاشت قبل الميلاد ب4000 آلاف عام وعملت على صناعة عطور تستخدم في الشعائر الدينية والزينة.

فهل هذا يعني أن شعوب شبه الجزيرة العربية كانوا في منأى عن هذه الصناعة ولم يكونوا جزءًا من هذا الفن؟!!

بالتأكيد لا… فالعرب منذ العصر الجاهلي كانوا مولعين بالعطور وتنوعت استخداماتها عندهم إلى حد بعيد وهو ما تلاحظه من خلال نبذة عن تاريخ هذا الفن عند العرب في العصر الجاهلي.


تاريخ العطور عند العرب في العصر الجاهلي.

انتشر لدى العرب استخدام أنواع العطور لأغراض عدّة، وقد اشتهرت شبه جزيرة العرب بالبخور واللبان والصمغ العربي، حتى أن الرومان أرادوا السيطرة عليها للتمتع بهذه الثروات والتجارة بها ونقلها لبلادهم.

وقد عرف العرب عطورا لكافة مناسباتهم على الرغم من اعتبار العطر نوع من أنواع الزينة ومبعثا على الفرح وتركه تعبيرًا عن الحزن، إلا أنهم استخدموا عطورا عبرت عن جميع مناسباتهم.

 فاستخدموها بكثرة في الأعياد والمناسبات، كما كانوا يطيبون بها الكعبة المشرفة مما جعل تجارة الطيب تزدهر في مكة على الأخص إضافة إلى أنها قبلة للتبادل التجاري في هذا الوقت.

كما حرصت المرأة العربية في هذا العصر على استخدام العطور بكثرة مثل الصندل والبخور واللبان والعنبر وغيرها من عطور أصيلة ارتبطت بها المرأة العربية كوسيلة للزينة.

كما اشتهر المسك والكافور بكافة أنواعهم في مكة وما حولها من مدائن.

ولم يكن العطر رمزا مقيدًا بالفرح والأعياد فقط، وإنما كان طقسًا من طقوس الحرب فقد كان العرب يغمسون أيديهم في الطيب قبل الحرب، وهنا ظهرت مقولة" أشأم من عطر منشم" ومنشم هي عطارة عربية بارعة كان يقصدها المحاربون لغمس أيديهم في ما تصنعه من الطيب قبل الخروج لحروبهم.


تطور صناعة واستخدام العطور في العصر الإسلامي.


كان العصر الإسلامي حقبة زاهرة للتطور في كل نواحي الحياة الإنسانية في شبه الجزيرة العربية، شمل ذلك وسائل الزينة والطيب، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم محبًا للطيب ومهتما به كما كان كثير التطيب كما أنه صلى الله عليه وسلم حث أصحابه على النظافة والتطيب كما ورد في حديثه الشريف عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يحب الطيب، ويأمر به).

كما قال صلى الله عليه وسلم

(من عرض عليه رَيْحَان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح).

أما في العصر الأموي والعباسي أصبح العرب روادا لصناعة واستخدام كل أنواع العطور، وكانوا أول من صنع عطورا من خلال تقطير تيجان الأزهار.


وقد برع جابر بن حيان في استقطار العطور وترشيحها وتبخيرها، وهناك أيضا العالم يعقوب بن إسحاق الكندي الذي استحدث طرقا عدّة لمزجها وتخليق أنواع عطور لم يسمع بها من قبله كما أن له كتابًا رائعًا في هذا المجال بعنوان" الترفق في العطر".

واستخدم علماء وعطاري هذا العصر العود والبخور والعنبر والصندل كمواد عطرية جذبت انتباه العالم أجمع وكانت نواة لصناعة العطور الأوربية الحديثة حتى الآن.

كما عرفوا المسك والياسمين وغيرها من المواد الطبيعية التي عملوا على تنقيتها واستخلاص عطورها.

ووثق الشعر شدة ولع العرب في هذه الفترة بالعطور من خلال أبيات وقصائد شعرية عديدة منها ما يصف الكتابة بواسطة المسك والكافور مثل قول عمرو بن أبي ربيعة في أبيات تعود للعصر الأموي.


أتاني كتاب لم ير الناس مثله

أمد بكافور ومسك وعنبر

كتاب بسك حالك وبصفرة

ومسك صهابي يعل بمجمر

وقرطاسه قوهيه ورباطة

بعقد من الياقوت صاف وجوهر

على تبرة مسبوكة هي طينة

في نقشه: تفديك نفسي ومعشري




وقد أصبح هذا النوع من الكتابة بالعطور أكثر انتشارًا في العصر العباسي، ودرج استخدام المواد العطرية في الكتابة على الملابس والرسائل وغيرها.

عطور المملكة العربية السُّعُودية في الصدارة …

بالطبع كان الباع الطويل للمملكة العربية السعودية في تجارة وصناعة العطور حافزًا لتكون مركزا لتجارة جميع أنواع العطور والعود في الشرق الأوسط، فكان العصر الحديث عصرا ذهبيًا لتطور هذا الفن في المملكة.

 وذلك أن تعلق أهلها بالعطر والطيب ضاربا في جذور التاريخ كما رأينا، فازدهرت تجارة العود والبخور والأخشاب على نحو متزايد حتى أصبحت أحد أكبر الأسواق العالمية في صناعة وتجارة العطور والعود، وقد تجاوز حجم تجارة العطور في المملكة 6 مليار ريال، وبلغ وارداتها من العود 252 ألف كيلو جرام من في عام 2023.

وتعتمد صناعة العطور في المملكة على العود والمسك والأخشاب إضافة إلى البَخُور والياسمين، ومازال رواد الأعمال ومبدعي العطور السعوديين يتصدرون سوق وتجارة العطور في الشرق الأوسط، ويبحثون عن دروب التميز في هذا الفن العريق.